زكريا القزويني

35

آثار البلاد واخبار العباد

وان طلع عليكم فدهدهوا عليه الصخر ، وليحمل عليه الخيل من ورائه ، ففرّقنا الخيل للحملة وإنّها تشمئزّ عنه ، فأقبل يدنو ويختل ، وكلّما خالطه سهم أمرّ عليه ساعده وكسره في لحمه ، فضرب فارسا آخر فقطع فخذه بسرجه وما تحت السرج من فرسه ، فصاح به القيل : ويلك ! من أنت ؟ فقال بصوت الرعد : أنا حرث لا أراع ولا ألاع ! فمن أنت ؟ قال : أنا مثوّب ، قال : إنّك لهو ؟ قال : نعم . فقهقر وقال : اليوم انقضت المدّة وبلغت نهايتها العدّة ، لك كانت هذه السرارة ممنوعة . ثمّ جلس وألقى سيفه وجعل ينزع النبل من بدنه ، فقلنا للقيل : قد استسلم ؟ قال : كلّا لكنّه اعترف دعوة فإنّه ميّت ، فقال : عهد عليكم لتحفرنّني ! فقال القيل : آكد عهد ، ثمّ كبا لوجهه فأقبلنا إليه فإذا هو ميت ، فأخذنا سيفه فلم يقدر أحد منّا يحمله على عنقه ، فأمر مثوّب فحفر له أخدود ألقي فيه ، واتّخذ مثوّب تلك الأرض منزلا وسمّاها حرث ، وسمّي مثوّب ذا حرث . ووجد على أكمة صخرة مكتوب عليها : باسمك اللهمّ ، إله من سلف ومن غبر ، إنّك الملك الكبّار الخالق الجبّار ملكنا هذه المدّة ، وحمى لنا أقطارها وأصبارها وأسرابها وحيطانها وعيونها وصيرانها إلى انتهاء عدّة وانقضاء مدّة ، ثمّ يظهر علينا غلام ذو الباع الرحب والمضاء العضب ، فيتّخذها معمرا أعصرا ثمّ يجوز كما بدا ، وكلّ محتوم آت وكلّ مترقّب قريب ، ولا بدّ من فقدان الموجود وخراب المعمور . حضرموت ناحية باليمن مشتملة على مدينتين ، يقال لإحداهما شبام وللأخرى تريم ، وهي بقرب البحر في شرقي عدن ، وانّها بلاد قديمة . حكى رجل من حضرموت قال : وجدنا بها فخّارا فيه سنبلة حنطة وامتلأ